محمد عبد الكريم عتوم
61
الأنموذج الإسلامي للتربية السياسية المعاصرة
وسياسة الدنيا ، والخليفة الأول أبو بكر لم يكن نائباً عن الرسول ( ص ) ، لأن الرسول لم يخوله هذا المنصب ، ولم يوصِ به له ، مثلما أن الأمة لا تملك أيضاً حق تعيين شخص لينوب عن الرسول في الحكم ، بل لها الحق في تعيين شخص ينوب عنها لقيادتها وتنفيذ أحكام الشريعة . كما أنه لو كان الخليفة نائباً عن النبي في جميع المجالات لما جاز أن يقع منه الخطأ والنسيان ، وأن يرتكب ما يقوم به أي بشر من الكذب والخيانة والمعصية وغيرها من الذنوب . كما أن تعيين أبي بكرٍ خليفة الرسول ، جاء لينوب عنه في السلطان ، وتنفيذ الأحكام ، وقيادة الأمة ، ونشر الأحكام ، وليس في تلقي الوحي والشرع عن الله تعالى ؛ ذلك أن منصب النبوة أو الرسالة ، مختلفٌ عن منصب الخلافة ، فالنبوة منصب إلهيٌ يعطيها الله تعالى لمن شاء من عباده ، والخلافةُ منصبٌ بشري ، يختار فيه المسلمون من يريدون أن يكون خليفةً عليهم ، وأما مصطلح " الحاكمية " و " السيادة " فهما من المصطلحات الحديثة التي ظهرت بعد تطور الفلسفات السياسية الغربية ، وظهور نظريات العقد الاجتماعي ، والفصل بين السلطات في الغرب ، وانتقال هذه المفاهيم إلى العالم الإسلامي في أواخر القرن التاسع عشر . لقد كان الخوارج أول من طرحوا مفهوم الحاكمية بعد خروجهم من معركة صفين ، عندما رفعوا شعار " لا حكم إلا لله " ، وعندما لاحظ الإمام علي بن أبي طالب ، أن هذا مجرد شعار يوتوبي ، وغير واقعي ، رد عليهم بقوله المشهور " ولكن الناس لا بد لهم من إمامٍ برٍ أو فاجر " . وفي العصر الحديث كان المفكر الإسلامي أبو الأعلى المودودي ، أول من طرح مفهوم الحاكمية ، ثم تلاه سيد قطب ، ثم تناوله بعض المفكرين ، واتخذته بعض الحركات الإسلامية شعاراً لها ، بحيث غدا مرتكزاً أساسياً في الفكر السياسي الإسلامي الحديث ، ومحوراً لبناء النظرية السياسية الإسلامية المعاصرة لدى مختلف المذاهب الإسلامية . ولاقى مفهوم الحاكمية رواجاً ، وتداولًا على مستوى الفكر والعمل ، مما أعطى هذا المفهوم موضعاً خاصاً في الخطاب الإسلامي المعاصر ، ودار حوله الكثير من الجدل المعرفي ، والخلاف الفكري ، بحيث أصبح محوراً للممارسات الدعوية والحركية . لقد قام أبو الأعلى المودودي بعرض مفهوم الحاكمية بأبعاده السياسية ، والقانونية ،